نصر حامد أبو زيد

74

الاتجاه العقلي في التفسير

بل الملائكة أيضا لا يتسنى لها ذلك « لأنها مكلّفة ولم يكن لها قبل التكليف حال علمت فيه القديم ، جل وعز ، ضرورة لأن هذه الحال إنما تجوز في أهل الآخرة ومن يجري مجراهم دون غيرهم » 118 وهكذا إذا كانت معرفة اللّه بصفاته لا يجوز أن تكون ضرورية ، سواء للملائكة أو البشر لتساويهما في التكليف العقلي ، فإن معرفة قصده لا يمكن أن تكون ضرورية ، بل كلاهما معرفة نظرية كسبية استدلالية . كل ذلك ينفي أن يبدأ اللّه الملائكة أو البشر مواضعة على لغة ، لأن من شرط المواضعة الإشارة الحسية التي تؤدّي إلى معرفة قصد المتكلم والمشير باضطرار . وكلا الأمرين مستحيل في حق اللّه ، لأنه يؤدّي إلى هدم مبدأ التكليف العقلي ، وهو حجر الزاوية في الفكر الاعتزالي ، إلى جانب ما يؤدي اليه من مشابهة اللّه للأجساد . وإذا كانت قضية المواضعة والاصطلاح في اللغة تعدّ هامة في الفكر الاعتزالي ، لاتصالها بالتوحيد من جانب وبالمعرفة الاستدلالية باللّه من جانب آخر ، فقد كان من الطبيعي أن يعتبر القاضي عبد الجبار - خلافا للباقلاني - القصد شرطا من شروط الدلالة الشرعية وهي الكلام . فإذا كان المتكلم الماثل أمامنا يمكن أن نفهم قصده باضطرار بحكم ما يقارن كلامه من إشارات ، فإن هذه المقارنة ليست متوفرة في كلام اللّه ، لأنه ليس ماثلا أمامنا ، ولا هو ممن تجوز عليه الإشارة . ومن جهة أخرى فإن صفات اللّه - صفات الذات والفعل معا - يمكن التوصّل إلى معرفتها عن طريق الدليل العقلي . وصفات الفعل هي التي تكشف عن دواعي اللّه واختياراته ، أي هي التي تكشف للعقل عما يجوز عليه من الأفعال وما لا يجوز منه ، فهو عدل لا يختار القبيح ولا يأمر به ولا ينهى عن الحسن ولا يظلم ولا يكذب في أخباره . . الخ كل صفات العدل التي يمكن الاستدلال عليها بالعقل . وصفات الفعل هذه يمكن أن تحدد لنا مقاصد اللّه بكلامه . وهكذا ترتدّ الدلالة اللغوية - الكلام - إلى العقل الذي يعرف قصد اللّه استدلالا قبل ورود الشرع ، وهذا أمر سنتعرّض له تفصيلا عند حديثنا عن المجاز والتأويل . قضية الاصطلاح في المواضعة إذن ليست قضية فرعية أو ثانوية ، فهي تمتد بجذورها في كل قضايا الفكر الاعتزالي . ولقد كان من الطبيعي أن تتجمع خيوط هذه القضية حول الآية الكريمة وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها . وهي آية كانت تواجه كل مفكر معتزلي يبحث في أصل اللغة ومنشئها . ولقد سبق أن رأينا تسليم أبي علي الجبائي بمنطوقها ، وافتراضات أبي هاشم لتأويلها . أمّا القاضي عبد الجبار فيكاد يجمع كل تفاصيل النقاش في القضية عند تأويله لهذه الآية « إن اللّه لا يصحّ أن